عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
16
اللباب في علوم الكتاب
بمجموعها في كونها حجة على غيرها لزالت الفائدة ، إذ لم يبق بعد انقضائها من تكون الأمة حجة عليه . فعلمنا أن المراد به أهل كلّ عصر ، ويجوز تسمية أهل العصر الواحد بالأمة ، فإن الأمة الجماعة التي تؤمّ جهة واحدة ، ولا شك أن أهل كل عصر كذلك ، ولأنه - تعالى - قال : « أُمَّةً وَسَطاً » فعبر عنهم بلفظ النكرة ، ولا شك أن هذا يتناول أهل كل عصر . [ قال النووي - رحمه اللّه تعالى - في « التهذيب » : الأمّة تطلق على معان : منها من صدق النبي صلى اللّه عليه وسلم وآمن بما جاءه ، واتبعه فيه ، وهذا هو الذي جاء مدحه في الكتاب والسّنة كقوله تعالى : « كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً » و « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » . وقوله صلوات اللّه وسلامه عليه : « شفاعتي لأمّتي » و « تأتي أمّتي يوم القيامة غرّا محجّلين » وغير ذلك . ومنها من بعث إليهم النبي - صلوات اللّه وسلامه عليه - من مسلم وكافر . ومنه قوله عليه أفضل الصلاة والسلام : « والّذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي من هذه الأمّة يهوديّ ولا نصرانيّ ثم يموت ولم يؤمن بالّذي أرسلت به إلّا كان من أصحاب النّار » « 1 » رواه مسلم . ويأتي باقي الكلام عن الأمة في آخر « النحل » إن شاء اللّه - تعالى - عند قوله تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [ النحل : 120 ] إلى قوله : « كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً » ] « 2 » . فصل في الكلام على قوله : لتكونوا قوله تعالى : « لِتَكُونُوا » يجوز في هذه اللام وجهان : أحدهما : أن تكون لام « كي » فتفيد العلة . والثاني : أن تكون لام الصيرورة ، وعلى كلا التقديرين فهي حرف جر ، وبعدها « أن » مضمرة ، وهي وما بعدها في محلّ جر ، وأتى ب « شهداء » جمع « شهيد » الذي يدلّ على المبالغة دون شاهدين وشهود جمعي « شاهد » . وفي « على » قولان : أحدهما : أنها على بابها ، وهو الظاهر . والثاني : أنها بمعنى « اللام » ، بمعنى : أنكم تنقلون إليهم ما علمتموه من الوحي
--> ( 1 ) أخرجه مسلم « كتاب الإيمان » باب 70 رقم ( 240 ) وأبو عوانة ( 1 / 104 ) وأحمد ( 2 / 317 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 4 / 308 ) . ( 2 ) سقط في ب .